- ندوات إذاعية / ٠22برنامج ربيع القلوب - إذاعة القرآن الكريم الدوحة
- /
- ٠2 ربيع القلوب 2 - أحاديث عام 2020
مقدمة :
المذيع :
بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، مرحباً بكم مستمعينا الكرام عبر إذاعة القرآن الكريم من الدوحة بهذا اللقاء الجديد من برنامج : "ربيع القلوب" .
مستمعينا الكرام نتوقف في هذه الحلقة ، ونتدبر آية من آيات الله من سورة آل عمران ، قال تعالى :
﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ﴾
الرحمة والرأفة من أهم صفات القيادة ، لأن سياسة الناس في الشدة والغلظة والفظاظة تؤدي إلى النفور وعدم الاستجابة ، والشورى في أمور الدولة وأمور الخاصة والعامة مبدأ إسلامي أصيل ، وقد أمر الله تعالى أولياء الأمور بالعمل به ، وحثهم على تطبيقه ، وعلى المؤمن أن يطلب النصرة من الله تعالى ، ويتوكل عليه بعد الأخذ بكل الأسباب المطلوبة ، وبعد المشاورة والعزم .
نرحب بضيفنا الدائم ربيع القلوب في الموسم الثاني فضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي الداعية الإسلامي حياكم الله دكتور .
الدكتور راتب :
بارك الله بكم ، ونفع بكم ، وأعلى قدركم .
المذيع :
حياكم الله دكتورنا الفاضل ، بداية في قوله تعالى :
﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ﴾
لو نبدأ بشرح عام لهذه الآية وعلاقتها بالآيات السابقة وبسياق الآيات التي قبلها ؟
قانون الالتفاف و الانفضاض :
الدكتور راتب :
الحقيقة أن هذه الآية الرائعة يحتاجها الأب في بيته ، والأم مع أولادها ، يحتاجها خطيب المسجد ، يحتاجها الناس جميعاً بدءاً من الخفير إلى الأمير ، هؤلاء الذين حولك ، الآية تقول :
﴿ فَبِمَا ﴾
هذه باء السبب ، أي يا محمد بسبب رحمة استقرت في قلبك من خلال اتصالك بنا كنت ليناً لهم ، امتلأ القلب رحمة ، فانعكست الرحمة ليناً ، ومودةً ، عندئذٍ التف الناس حول رسول الله ، لو أن هذا الإنسان افتراضاً كان منقطعاً عن الله ، لامتلأ القلب قسوة ، ولانعكست القسوة غلظة وفظاظة ، انفض الناس من حولك ، كأن هذه الآية تعطي قانون الالتفاف والانفضاض ، يحتاجه الأب ، والأم ، والمعلم ، والمدرس ، وأستاذ الجامعة ، وأي منصب قيادي بدءاً من الخفير حتى الأمير ، يوجد رحمة بقلبه ، لين ، يلتف الناس حوله ، وإن كان هناك بعد عن الله فهناك قسوة ، تنعكس القسوة غلظة وفظاظة ، ينفض الناس من حوله ، هذه يحتاجها كل إنسان بأي منصب قيادي ، الأب قيادي ، الأم قيادية مع بناتها ، المعلم ، المربي ، الموظف ، الخفير ، الأمير .
﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ ﴾
إن عاملتهم بقسوة بالغة ، وبحمق شديد ، وباستعلاء لا يحتمل ، انفضوا من حولك، وكل إنسان بمنصب قيادي يتمنى من أعماق أعماقه أن يلتف من حوله حوله ، ويعتصم به ، هذا طريق الالتفاف .
فبين أن تكون وسط أناس يحبونك ، يتفانون في خدمتك ، يتفانون بالإخلاص لك، يدعمونك ، يشكلون فريق عمل كبير يسهم في تقدم الأمة ، وبين أن تكون هناك حالة معاكسة أنانية على فظاظة على غلظة على مكاسب شخصية على أعمال لا ترضي الأمة ، ولا تنهض بالوطن ، فالقضية خطيرة جداً ، الله يخاطب نبيه الكريم : يا محمد ! بسبب رحمة استقرت بقلبك من خلال اتصالك بنا ، أنت إذا اتصلت بالله ، اتصلت بالرحيم ، اقتبست منه رحمة لمن حولك، بالعليم اقتبست منه علماً ، بالحكيم اقتبست منه حكمة ، بالعدل اقتبست منه إنصافاً ، هذه صفات تشد الناس إليك ، وعكس هذه الصفات تنفرهم عنك ، أنت أنت يا محمد ، سيد الخلق ، وحبيب الحق ، وسيد وبد آدم ، و يوحى إليك ، أنت أنت افتراضاً لو كنت منقطعاً عنا لامتلأ القلب قسوة ، ولانعكست القسوة غلظة وفظاظة ، فينفض الناس من حولك .
﴿ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا ﴾
الناس من حولك ، فمثل هذه المناصب القيادية تحتاج إلى التفاف ، إلى تجمع ، إلى تأييد ، إلى خدمة ، إلى إخلاص ، لذلك يحتاج الناس هذه الآية في كل أطوار حياتهم ، بدءاً من الخفير وحتى الأمير .
المذيع :
فضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي ما علامة رحمة الله للعبد المذكورة في الآية ؟
الحكمة أكبر عطاء إلهي على الإطلاق :
الدكتور راتب :
الحكمة - دقق الكلام دقيق جداً - أكبر عطاء إلهي على الإطلاق أن تؤتى الحكمة
أنت بالحكمة تجعل العدو صديقاً ، وبالحمق تجعل الصديق عدواً ، أنت بالحكمة تجعل الفقير غنياً ، وبالحمق تجعل الغني فقيراً ، أنت بالحكمة تعيش مع أي زوجة ، تسعد بها سعادة لا نهائية ، وبالحمق تشقى بزوجة من الدرجة الأولى .
لذلك الشيء الدقيق بالموضوع أن هذه الحكمة لا تؤخذ ، ولا تعطى ، ولكنها تعطى من الله وحده .
﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ﴾
تؤخذ من الله مكافأة للمؤمن على إيمانه واستقامته ، أي أكبر عطاء إلهي على الإطلاق يأخذه المؤمن من الله أنه أوتي الحكمة ، حكيم في بيته ، مع زوجته ، مع أولاده ، مع أقربائه ، مع والديه ، بعمله ، مع من هو أعلى منه ، مع من هو أدنى منه ، في وقت فراغه ، في وقت راحته ، في سفره ، بحضره ، بإقامته ، حتى في ساعات رفاهيته التي يتمناها كل إنسان له دخل معقول .
المذيع :
﴿ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ﴾
من وحي هذه الآية فضيلة الدكتور .
الأدب مع الله :
الدكتور راتب :
أولاً؛ نحن كمؤمنين أن الله عصم محمداً صلى الله عليه وسلم وحده من أن يخطئ في أقواله ، وأفعاله ، وإقراره ، وصفاته ، ما سوى رسول الله لا أحد معصوم ، فكل إنسان له إيجابيات وله سلبيات ، له أشياء تفوق بها ، أشياء قصر عنها ، العصمة المطلقة يتمتع بها النبي الكريم لأنه مرسل .
﴿ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ﴾
فلو لم يكن معصوماً قد يأتي بتصرفه أو بكلامه شيء غير صحيح ، هو لأنه مشرع ، ولأنه ينطق بالحق ، وهو الذي يفسر كلام الله بأدق تفسير ، الله عز وجل عصمه ، من أن يخطئ في أقواله ، وفي أفعاله ، وفي إقراره ، الإقرار تشريع ، أي إذا قيل أمام النبي كلام والنبي سكت فالكلام صحيح ، والدليل كان النبي الكريم في بيت صحابي توفاه الله ، ومن عادة النبي الكريم أن يزور أصحابه الذين توفاهم الله قبل دفنهم ، سمع امرأة تقول : هنيئاً لك أبا السائب فقد أكرمك الله ، هو نبي ، ورسول ، فإذا سكت كان كلامها صحيحاً ، صار إقراراً ، فقال لها : ومن أدراكِ أن الله أكرمه ؟ قولِي : أرجو الله أن يكرمه - عوض أكرمك فعل ماض مقطوع به - أرجو الله أن يكرمه ، وأنا نبي مرسل لا أدري ما يفعل بي ولا بكم .
ليس من سمة العبد الفقير ، العبد لله ، أن يعلم المستقبل يقيناً إلا رجاءً ، قولِي : أرجو الله أن يكرمه ، وأنا سيد الخلق ، حبيب الحق ، سيد ولد آدم ، المعصوم ، وأنا نبي مرسل:
﴿ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ ﴾
لذلك أي كلام مستقبلي فيه قطع فهو حمق ، بالمستقل نرجو الله أن ينصرنا ، أن يوفقنا ، أن يوحدنا ، هنا الرجاء ، هناك فعل مضى ، وفعل يقع ، وفعل مستقبلي ، الماضي وقع، لا يوجد عليه خلاف أبداً ، الحالي نقول : الله يثبته على هذا العمل ، المضارع تثبيت ، أما المستقبل فنرجو الله ، هذا الأدب مع الله ، وحياتنا كلها أدب مع الله ، هو خالقنا ، ومربينا ، خلقنا من عدم ، خلقنا لجنة عرضها السماوات والأرض ، هذا هو الأدب مع الله .
المذيع :
فضيلة الدكتور؛ فن القيادة التي سئلت عنها في هذه الآية يمكن أن نستنبطها من وحي هذه الآيات :
﴿ فَاعْفُ عَنْهُمْ ﴾
من شروط فن القيادة العلم و الرحمة :
الدكتور راتب :
أول شيء العلم ، الجاهل لا يقود أحداً ، الجاهل يفعل في نفسه ما لا يستطيع عدوه أن يفعله به ، لا بد من أن تعلم العلم الكافي للقيادة .
شيء ثان ؛ الرحمة .
﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ ﴾
(( من لا يَرحم لا يُرحم ))
(( إن كنتم تريدون رحمتي فارحموا خلقي ))
يجب أن يكون في قلب أي منصب قيادي ، معلم صف أحياناً يضرب الطالب ضرباً مبرحاً ، كره المدرسة ، رأى العلم آفة كبيرة ، لم يحببه بالمدرسة ، الضرب أحياناً له أثر كبير جداً ، سلبي ، الأب إذا سفه ابنه أمام أصدقائه ، انتهى مكانة الابن عند أصدقائه ، أنا أقول دائماً : إذا أراد أب أن ينصح ابنه فعليه أن يفعل ذلك على انفراد ، إن سفه ابنه ، أو وبخه، أو عنفه ، أو ضربه ، أمام أخوته يكون عقابه عشرة أضعاف ، أما فيما بينك وبينه ، حاول أن تربي ابنك فيما بينك وبينه ، هذه كلها حكمة .
﴿ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً ﴾
أكاد أقول : أكبر عطاء إلهي على الإطلاق أن تؤتى الحكمة ، والحكمة لا تؤخذ ولكن تؤتى ، والآية واضحة جداً ، الله لم يقل : ومن يكن حكيماً ، لم يقل : ومن تخلق بالحكمة.
﴿ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ ﴾
بالقرآن الحرف له معنى ، الصيغة لها معنى ، التركيب له معنى ، كلام خالق الأكوان ، وفضل كلام الله على كلام خلقه كفضل الله على خلقه .
المذيع :
فضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي في قوله تعالى :
﴿ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ ﴾
أي هذه قاعدة دعوية كما أشرت ؟
الدكتور راتب :
مهما كنت عالماً ، مهما كنت كبيراً ، مهما كنت محصلاً ، إذا أردت نقل هذه المعرفة عن طريق العنف فهي مرفوضة ، أنت أنت يا محمد سيد الخلق ، وحبيب الحق ، أنت:
﴿ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ ﴾
المذيع :
هذه القاعدة فضيلة الدكتور التربوية والدعوية كيف يمكن أن يطبقها الدعاة في دعوتهم ، والقيادية ؟
الحكمة و التدرج أحد صفات الداعية إلى الله :
الدكتور راتب :
القاعدة القيادية أي منصب قيادي بدءاً من الأب والأم ، وانتهاءً ....
المذيع :
تحديداً بالدعاة ، لنوجه الكلام حالياً للدعاة ، أي كيف يمكن أن يطبقوا هذه القاعدة؟
الدكتور راتب :
أن يستخدم الدعاة الحكمة ، إنسان تعلم عنه مئات الأخطاء ، حاول أن تصحح له خطأ واحداً ، بالتدريج .
عفواً ؛ آية موجودة بالقرآن :
﴿ لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى ﴾
الخمر محرمة لِمَ بقيت هذه الآية لم تحذف ؟ هناك آيات حُذفت ، انتهى فعلها حُذفت ، وآيات انتهى فعلها وبقيت ، هذه للدعاة .
أنت سافرت إلى بلد غربي ، داعية ، في هذا البيت مئة غلطة ، تكلم عن خطأ أو اثنين ، حاول بالتدرج أن تنتقل بهذا الإنسان من التفلت إلى الالتزام ، أما دفعة واحدة فهذا شيء فوق طاقة الإنسان ، كأن التدرج أحد صفات الداعية .
المذيع :
﴿ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ﴾
هنا شيخنا الآية فيها أمر واضح ، وهو ربما مشاورة النبي الكريم لأصحابه ، ما حكم المشاورة ، مشاورة النبي لأصحابه ؟
حكم المشاورة :
الدكتور راتب :
أنا أقول : المشاورة أمر وجه للنبي ، وهو المعصوم ، وهو سيد الخلق ، وحبيب الحق فمن باب أولى أن يقتدي به كل
من له منصب قيادي
دائماً وأبداً القائد عليه ضغوط كبيرة جداً ، لو استشار إنساناً عادياً من موظفيه ، الموظف لا يوجد عليه هذه الضغوط ، له رؤية أصفى من رؤية القائد ، فالبطولة أن تشاور ، وأنا أقول : المشاورة الحقيقية وليست الشكلية، لأن النبي الكريم وهو سيد الخلق ، وحبيب الحق ، وسيد ولد آدم ، اختار مكاناً لمعركة، جاء صحابي بأعلى درجة من الأدب قال له : هذا المكان وحي أوحاه الله إليك أم هو الرأي والمشورة ؟ قال له : هو الرأي والمشورة ، فقال هذا الصحابي لسيد هذه الأمة : ليس بموقع، النبي تقبل هذه النصيحة بكل صدر رحب ، قال له : أين المكان المناسب ؟ قال له : هنا ، أعطى أمراً ، هذا معنى :
﴿ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ﴾
أمر إلهي للمعصوم فكيف لغير المعصوم ؟ فلا يوجد إنسان مدير دائرة بأي منصب قيادي إلا و يوجد حوله أناس مخلصون ، يفهمون الأمور ، لا تقطع أمراً دون أن تشاور من حولك ، فمن استشار عقولهم فهذه الاستشارة مجاناً .
المذيع :
﴿ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ﴾
فضيلة الدكتور ، في الآية أمر للنبي كما أشرت لمشاورة أصحابه ، ألا يمكننا أن نستنبط من هذا الأمر في فضل الصحابة ميزة لهم ؟
أثر الصحبة في الإنسان :
الدكتور راتب :
طبعاً ، إن الله اختارني ، واختار لي أصحابي ، أصحابه نخبة ، وأنا أقول هذه الكلمة للتاريخ ، أي داعية إذا كان حوله أناس يفهمون عليه فهذا أعظم تكريم من الله له ، إن الله اختارني ، واختار لي أصحابي ، أصحابه نخبة أيضاً ، هذا أكبر إكرام من الله ، أن من حولك على شاكلتك ، فالإنسان إذا صاحب ، لا تصاحب من لا ينهض بك إلا الله حاله ، ولا يدلك على الله مقاله .
(( لا تُصَاحِبْ إِلا مُؤْمِنا ، ولا يأكُلْ طَعَامَكَ إِلا تَقِيّ ))
والصحبة لها أثر إيجابي جداً ، ولها أثر سلبي كبير جداً ، فالصاحب كما قيل ساحب ، يسحبك إليه .
وهذه ملاحظة دقيقة جداً ، أمثلها بلعبة شد الحبل ، جلست في مكان مع أناس في سهرة ، في نزهة ، إن استطاعوا أن يجروك إليهم ، إلى ترك الصلاة ، أو إلى الغيبة والنميمة ، فانسحب منهم ، أما إذا استطعت أن تجرهم إليك فابقَ معهم ، لعبة شد الحبل شدوك إليهم انسحب بنعومة ، أما إذا أمكنك أن تشدهم إليك ، إلى استقامتك ، إلى صلاتك ، إلى عبادتك ، فابقَ معهم ، نقطة دقيقة جداً ، لأنه هذه اسمها : حاضنة إيمانية ، الحاضنة الإيمانية المؤمن مع المؤمنين يزداد إيماناً ، مع الفسقة يقترب من الفسق دون أن يشعر ، لذلك الآية تقول :
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ﴾
اجلس معهم ، اسهر معهم ، تنزه بصحبتهم ، الآية الثانية :
﴿ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ ﴾
مع المؤمنين الذين يخشون ربهم ، ويؤمنون بالله ، فهم على استقامة .
﴿ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ ﴾
يخافون الله ، يستقيمون على أمره .
المذيع :
فضيلة الدكتور؛ بما أنا أشرنا لأهمية المشاورة ، واختيار الصحبة الصالحة ، وطبعاً المؤمن يجب أن يقتدي بأفعال النبي صلى الله عليه وسلم فالمشاورة من خصائص المؤمنين ، لكن السؤال هنا كيف أختار المستشارين الشخصيين أنا كفرد إنسان عادي لا قيادي ولا من عامة الناس ؟
الاستعانة بالخبراء عند الاستشارة :
الدكتور راتب :
لابد من أن تستشير إنساناً يعلم في موضوع الاستشارة ، في موضوع الاستشارة تسأل إنساناً موظفاً على موضوع شركة تستورد منها ؟! هذا لا علاقة له بالتجارة ، يجب أن تسأل إنساناً خبيراً ، ما الدليل ؟
﴿ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً ﴾
آية قرآنية ، اسأل الخبير ، في هذه التجارة ، في هذه الصناعة ، في نجاح معمل معين ، الآية تقول :
﴿ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً ﴾
الآية مطلقة ، الذي يعطيك الحقيقة هو الخبير ، والخبير أعمق من العالم ، العالم معه معلومات ، أما الخبير فمعه إشكالات ، هذا الإشكال هكذا يحل ، هكذا يحل ، هكذا يحل ، الخبرة أعلى ، علم مع تطبيقات .
﴿ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً ﴾
تريد أن تفتح محلاً تجارياً بسوق معين ، اسأل التجار الكبار : هذا المكان مناسب لهذه التجارة ؟ تريد أن تفتح مطعماً ، كلها أسر غنية جداً لا أحد يحتاج إلى هذه المطاعم ، أما في الحي الشعبي فالمطعم يبيع ويشتري كثيراً .
﴿ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً ﴾
تريد أن تشتري بيتاً اسأل خبيراً سكنياً ، وظيفة ، اسأل موظفاً خاض هذه الوظيفة .
﴿ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾
أمر إلهي .
المذيع :
جانب الثقة شيخنا ، الثقة ، سألت خبيراً ، لكن إن كان هذا الإنسان غير ثقة ؟
من صفات الخبير أن يكون صادقاً ورعاً :
الدكتور راتب :
والله هذا لا يسأل ، لا بد من خبرة وصدق ، المؤمن وحده خبير وثقة ، إذا كان مؤمناً عنده مصلحة ، وأنت استشرته بهذه المصلحة ، يقول لك : إياك لا يوجد ربح إطلاقاً ، لأنه يربح وحده ، لا يحب أن يكون له شريك في هذه المصلحة ، اسأل خبيراً صادقاً ، ورعاً .
المذيع :
﴿ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ﴾
العزم والتوكل ؟
التردد آفة القرارات و صفة الضعفاء :
الدكتور راتب :
إذا أنت أخذت قراراً بأن تفعل هذا العمل ، انتهى
التردد آفة القرارات ، ابتعد عن التردد ، درست الموضوع دراسة وافية ، واستشرت خبراء ، ووجدت أن هذا العمل ناجح ، بعد هذا القرار إياك أن تتردد ، التردد من صفات الضعفاء ، والتردد آفة كبيرة .
﴿ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ﴾
بعد أن اتخذت القرار ، حصلت المعلومات ، استشرت أولي الخبرة ، أولي العلم ، استشرت رجل دين بمشروعية هذا العمل ، بعد أن أتممت كل هذه الاستشارات لا تتردد ، التردد صفة سلبية جداً بحياة الإنسان ، المتردد لا يفعل شيئاً بالنهاية .
المذيع :
فضيلة الدكتور الاستخارة ؟
الاستخارة لله عز وجل في المباحات لا في المحرمات و الفرائض :
الدكتور راتب :
الاستخارة لله عز وجل ، الاستخارة لله ، أنت في مشروع ، أولاً : الاستخارة في مشروع بالمباحات ، لا يستخير بشرب الخمر ، الاستخارة في المباحات لا بالفرائض ، بل في المباحات ، لا بالفرائض كالصلاة ، والصوم ، والحج ، والزكاة ، ولا بالمحرمات ، تلغى الاستخارة والاستشارة من صنفين ؛ المحرمات والفرائض ، بقي المباحات يا ترى أشتري هذا المحل بهذا المكان أم بهذا المكان ؟ هذا المكان أرخص ، هذا مكان المحل أغلى ، لكن هنا يوجد تزاحم أقدام ، هنا لا يوجد تزاحم أقدام ، المكان الذي يوجد به ازدحام شديد فيه قوة شرائية كبيرة .
﴿ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ ﴾
بأمور الدين .
الموضوعية قيمة أخلاقيّة وعلميّة :
﴿ فَاسْأَلُوا ﴾
الخبراء بأمور الدنيا ، بالدين اسأل عالماً صادقاً ، ورعاً ، لا :
(( يبيع دينه بعرض من الدنيا قليل ))
في أمور الدنيا اسأل خبيراً وصادقاً ، ليس له مصلحة إذا أعطاك توجيهاً معيناً ، من أجل توجيه هو يعمل بمصلحة رابحة جداً ، أنت استشرته بمحل بهذه المصلحة يقول لك : لا ، لا يوجد ربح إطلاقاً ، هو أراد أن يبعد منافساً له ، المؤمن موضوعي ، الموضوعية أعلى قيمة أخلاقية ، الموضوعي عالم ، والموضوعي أخلاقي ، تلتقي القيم الأخلاقية مع القيم العلمية في الموضوعية ، الموضوعي أن تصف الشيء بحجمه الحقيقي ، لا مبالغة إيجابية ، ولا سلبية، الموضوعية أخلاق ، الموضوعية علم ، الموضوعية أنت عالم ، الموضوعي أنت أخلاقي ، الموضوعية صفات الأنبياء .
مثلاً ؛ جاء من يحاربه ، صهره ، فلما استعرض الأسرى قال النبي كلمة أذابته ، قال : والله ما ذممناه صهراً ، كان ممتازاً كصهر ، هذه الموضوعية ، جاء ليحاربه زوج ابنته أبو الربيع لما رآه مع الأسرى قال : ما ذممناه صهراً ، هذه الموضوعية .
الموضوعية قيمة أخلاقية ، وقيمة علمية ، ولا يمكن إلا أن تجتمع بالمؤمن .
المذيع :
﴿ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ﴾
ما جزاء من يتوكل على غير الله ؟
جزاء من يتوكل على غير الله :
الدكتور راتب :
أحمق ، توكل على ضعيف ، وجاهل ، ولا يملك من أمر هذا المشروع شيئاً .
﴿ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ﴾
يكفيه ، قدير ، قدرته مطلقة ، علمه مطلق ، رحمته مطلقة ، فالتوكل على الله وحده، ومن توكل على زيد أو عبيد الله خيب له ظنه ، دائماً ، أو لحكمة بالغة ، ما دام ترك الله وتوكل على إنسان ، هذا الإنسان قد يقف منه موقفاً غير معقول ، يتخلى عنه ، شيء واضح جداً ، أو يصير هو تأديباً من الله ، من توكل على غير الله جعل الله لهذا الذي توكلت عليه موقفاً مفاجئاً غير معقول ، وكأن الله أدب هذا المؤمن حينما أخطأ ، وتوكل على غير الله .
خاتمة و توديع :
المذيع :
أحسن الله إليكم فضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي ، الداعية الإسلامي على هذه الكلمات الطيبة ، وعلى حضوركم معنا في هذا الأستوديو .
توقفنا مستمعينا الكرام عند قوله تعالى :
﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ﴾
هذه الآية من سورة آل عمران تدبرناها ، ووقفنا عند معانيها مع ضيفنا الفاضل فضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي .
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته